مصطفى صادق الرافعي
174
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
تعرفه من كلام البلغاء عند تباين الوجوه التي يتصرف فيها ، على أنهم قد رفهوا عن أنفسهم وكفوها أكبر المئونة فلا يألون أن يتوخوا بكلامهم إلى أغراض ومعان يعذب فيها الكلام ويتسق القول وتحسن الصنعة مما يكون أكبر حسنه في مادته اللغوية ، وذلك شائع مستفيض في مأثور الكلام عنهم ، ثم هم مع هذا يستوفون المعنى الواحد على وجهه ، فإذا تحولوا إلى غيره وأفضوا بالكلام إلى سواه رأيت من اقتضابهم في الأسلوب ومن التذاكر في وضع المعنى إلى المعنى ما يشبه في اثنين متقابلين من الناس منظر قفا إلى وجه . وعلى أنا لم نعرف بليغا من البلغاء تعاطى الكلام في باب الشرع وتقرير النظر وتبيين الأحكام ونصب الأدلة وإقامة الأصول والاحتجاج لها والرد على خلافها ، إلا جاء بكلام نازل عن طبقة كلامه في غير هذه الأبواب ؛ وأنت قد تصيب له في غيرها اللفظ الحرّ ، والأسلوب الرائع ، والصنعة المحكمة والبيان العجيب ، والمعرض الحسن ، فإذا صرت إلى ضروب من تلك المعاني ، وقعت ثمة على شيء كثير من اللفظ المستكره ، والمعنى المستغلق ، والساق المضطرب ، والأسلوب المتهافت والعبارات المبتذلة ، وعلى النشاط متخاذلا والعرى محلولة ، والوثيقة واهنة ، وتبينت كلاما لا تطمئن إليه في أكثر جهاته حتى لتعجب أن صاحب وصاحبه ذلك الكلام رجل واحد . وإنما وقع للبلغاء هذا النقص من جهة التركيب ، إذ ليس في كلامهم روح كروح النظم في القرآن ولا هذه الروح مما تطوعه قوى الخلق ؛ فلما صاروا إلى الوضع الذي تضعف مادته اللغوية من الحقيقة والمجاز وما إليها ، صاروا إلى الضعف الذي لا قبل لهم به ولا حيلة لهم فيه إلا مداورة الكلام وتعريض العبارة وتشقيق المعنى ، فذهبوا إلى الخلق والتهافت وتصدير القول بالرّقع من هاهنا وهاهنا ، فحيث أصبت كلمة رائعة أصبت منها رقعة ، وكان ما اتفق لهم من هذه الصنعة في تحسين الكلام دليلا على قبحه ؛ وكان قبحا جديدا . وإنك لتحار إذا تأملت تركيب القرآن ونظم كلماته في الوجوه المختلفة التي يتصرف فيها ؛ وتقعد بك العبارة إذا أنت حاولت أن تمضي في وصفه حتى لا ترى في اللغة كلها أدلّ على غرضك وأجمع لما في نفسك وأبين لهذه الحقيقة ، غير كلمة الإعجاز . وما عسى أن تقول في كلام ترى للفظ من الألفاظ فيه معنى ؛ ثم ترى كأن لهذا المعنى في التركيب معنى آخر ، هو الذي يفيض على النفس ويتصل بها فكأنه كلام مداخل وكأن اللغة فيه لغتان . ثم ما أنت قائل في كلام جاء من الإبداع في التأليف ومن وجوه التفنن في تلوين